لم يكن المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس مؤخراً مجرد محطة عادية في أجندة حكومة عزيز أخنوش التي تقترب من نهاية ولايتها، بل تحول إلى مؤشر قوي على "تحول استراتيجي" في كيفية تدبير أوراش التنمية الترابية بالمغرب، وسط حديث عن عودة قوية لمركزية الدولة الإدارية لتصحيح مسار الجهوية.
210 مليارات درهم.. "الداخلية" تمسك بزمام المبادرة
في خطوة لافتة من حيث الدلالة والتوقيت، قدّم وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عرضاً تفصيلياً كشف فيه عن تعبئة ميزانية ضخمة تقدر بـ 210 مليارات درهم، مخصصة لتنفيذ جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة على مدى 8 سنوات.
هذا المخطط، الذي يمتد عمره الزمني ليتجاوز ولاية حكومتين، يضع وزارة الداخلية والولاة والعمال في قلب هندسة الحكامة الجديدة، مما يطرح تساؤلات ملحة حول دور المجالس المنتخبَة والأحزاب السياسية في المرحلة المقبلة.
أرقام "صادمة" تعجل بتغيير المقاربة
تستند هذه العودة القوية لـ "المركز الإداري" إلى تقارير رقابية رسمية، أبرزها معطيات المجلس الأعلى للحسابات التي كشفت عن حصيلة "مخيبة" للنخب الجهوية بين سنتي 2015 و2021:
نسبة تنفيذ المشاريع: لم تتجاوز 36%.
إنجاز الكلفة المالية: لم يتحقق منها سوى 11% فقط.
هذه الأرقام، وفقاً لمراقبين، كانت بمثابة "شهادة عجز" للنخب الحزبية في تدبير الجهات، مما دفع الدولة للتدخل ليس لإلغاء الجهوية، بل لتغيير "الحامل" للمشروع عبر الاعتماد على الجهاز الإداري الأكثر كفاءة وانضباطاً في التنفيذ الميداني.
تساؤلات السيادة: هل تراجع دور الأحزاب؟
تثير المقاربة الجديدة جدلاً قانونياً وسياسياً حول مستقبل الديمقراطية التمثيلية؛ فإذا كانت الدولة قادرة على رصد احتياجات المواطنين ميدانياً وتنفيذها مباشرة عبر قنواتها الترابية (العمال والولاة)، فما هو الدور المتبقي للبرامج الانتخابية والوعود الحزبية؟
ويرى خبراء قانونيون أن الدولة لا تتراجع عن خيارها الدستوري (الجهوية المتقدمة)، بل تفرض "وصاية تقنية" لتقليص "كلفة البطء" في ملفات استراتيجية كالماء، التشغيل، والفوارق المجالية، وهي ملفات لم تعد تحتمل انتظار نضج النخب السياسية.
خلاصة المرحلة: تصحيح المسار لا سحب الثقة
يبدو أن رسالة المجلس الوزاري كانت واضحة: الدولة لن تترك الأوراش الكبرى رهينة للإيقاع البطيء أو الحسابات السياسوية الضيقة. نحن أمام مرحلة عنوانها "الفعالية أولاً"، حيث يعاد الاعتبار للسلسلة الترابية الإدارية كضامن أساسي لتنزيل الرؤية الملكية، مما يضع الأحزاب السياسية أمام امتحان حقيقي لمراجعة ذاتها قبل استحقاقات 2026.
بعد المجلس الوزاري الأخير: هل يسحب "مركز القرار" بساط التنمية من النخب الحزبية؟
إعلان
إعلان
اضغط هنا للمشاركة
مواضيع مقترحة
- جاري التحميل...
منتجات مختارة لك
جاري تحميل المنتجات...
إعلان
رابط مختصر:
https://9sty.com/s/NdFR